قرأت رواية «بطل من هذا الزمان» لليرمنتوف، وكانت رواية جميلة جدًا وأحببتها. كما قرأت عن ثورة النبلاء، أو الثورة الديسمبريّة، وفهمت بعدها أنه كانت هناك جماعة من المثقفين المنتمين إلى طبقة النبلاء، تأثروا بعصر التنوير، وكانوا يحلمون بالحرية والعدالة، ويريدون تغيير روسيا إلى الأفضل. لذلك قاموا بثورة ضد القيصر نيقولا الأول، لكن نيقولا وجيشه سحقوهم، فأُعدم بعضهم ونُفي الباقون إلى سيبيريا.
بعد ذلك فرض نيقولا رقابة شديدة على الكتب والصحف، وقرأت أنه كان يُمنع على الناس الحديث في السياسة أو الفلسفة، أو حتى التعبير عن آرائهم. كان يخنقهم خنقًا، وكانوا يعيشون في خوف ورعب، ويعلمون أن من يفتح فمه ستكون نهايته إما الإعدام أو النفي. ونتيجة لذلك، نشأ الشباب، وحتى أولئك الذين كانوا صغارًا ثم كبروا في ظل حكمه، وهم يحملون شعورًا بالإحباط والعجز. كانوا أذكياء ومثقفين، ولديهم طاقة وقدرة على تغيير روسيا إلى الأفضل، لكنهم لم يكونوا قادرين على فعل شيء.
وهنا جاء ليرمنتوف بشخصية بتشورين، الذي مثّل جيلًا كاملًا برذائله.
بصراحة، أثار بتشورين إعجابي، لأنك لا تتحدث عن جيل عاش في زمن معين فحسب، بل عن صفات بل وحتى رذائل، ما زالت موجودة في كل الأزمنة. كان بتشورين مثقفًا، ذكيًا، ثريًا، ومن طبقة النبلاء. جرّب كل شيء: السفر، والحب، والقراءة، والتثقيف. لكنه يقول إنه جرّب كل ما كان قادرًا على الوصول إليه واستمتع به، ثم وصل إلى مرحلة الاشمئزاز من تلك الملذات والمتع. حتى إنه يقول إنه حاول القراءة والتثقف، ثم ملّ ونفر من القراءة، ووصل إلى قناعة بأن الجاهل وحده هو السعيد.
ثم يقول إنه يملك قلبًا لا يشبع من الملذات ولا من الآلام، فمهما عاش من تجارب أو نال من متع، عاد يشعر بالجوع إليها، وكأنه لم يذق شيئًا منذ شهر. وهذا دليل على أنه وصل إلى مرحلة جرّب فيها كل شيء وعاش كل شيء، فلم يعد هناك ما يثيره أو يجعله سعيدًا. وهذه الحالة تصيب الأثرياء أحيانًا؛ مرحلة الملل من كل شيء، حيث لا يعود شيء قادرًا على إثارة اهتمامهم.
وهناك نقطة أخرى ذكرها بتشورين عن طفولته، وكيف كانت نظرة الناس إليه، وكيف أثرت فيه كثيرًا، وربما كانت هي السبب الأساسي في تكوين شخصيته، إلى جانب تأثير حكم القيصر. يقول إن الناس، منذ كان صغيرًا، كانوا يرون فيه غرائز شريرة، وهو منها بريء، حتى ترسخت فيه كما وصفها. ويقول: كنت خجولًا، فكانوا يقولون عني إنني ماكر وخبيث، فأصبحت كتومًا. ويقول أيضًا: كنت أشعر بالخير والشر، وأعطف على الناس، لكنهم كانوا يؤذونني ولا يشعرون بي، فأصبحت حقودًا وأحب الانتقام.
وقد ذكر أمورًا كثيرة أخرى يصعب عليّ أن أكتبها كلها، لكن كلامه هنا مهم جدًا، لأنه يفسر كثيرًا من تصرفات الشباب في وقتنا الحاضر. لماذا أصبح بعضهم قاسيًا؟ ولماذا أصبح حقودًا، أو أنانيًا، أو مؤذيًا؟ إذا فكرت في الأمر، وحللته، وعدت إلى طفولة ذلك الشخص، أو إلى الطريقة التي كان الناس يعاملونه بها، ستتفاجأ بأنهم عاملوه معاملة سيئة، وأن معظم الصفات السيئة التي يعامل بها الناس اليوم، كان هو نفسه قد تعرض لها في صغره. فتتولد لديه كراهية البشر، وحب التلاعب بهم والسيطرة عليهم، حتى وإن كانوا أبرياء ولا ذنب لهم، فيصل إلى مرحلة يقول فيها: كما جربت أنا هذا الشعور، أريد للجميع أن يجربوه، سواء كانوا مذنبين أم أبرياء. وهكذا كان بتشورين أيضًا.
ثم يقول إنه تعلم فن الحياة من خلال سبر أغوار الناس، ورصد تصرفاتهم ودوافعهم. يقول إنه عندما رأى أناسًا لم يتعلموا هذا الشيء ولم يبذلوا جهدًا فيه، ومع ذلك كانوا سعداء، ويملكون هذه القدرة بالفطرة، بينما هو كان يتعب على نفسه طوال الوقت، تولد فيه اليأس.
وهذه أيضًا نقطة مهمة جدًا؛ فكثير منا يسعى إلى أمر معين، فيتعب ويجتهد من أجله، ويكاد يموت حتى يحققه أو يصل إليه، ثم يرى شخصًا آخر وصل إليه بسهولة ومن دون جهد، بينما هو لم يستطع. هذا يولد اليأس واليأس يولد الحقد، والانتقام، والكراهية والبغض. فيتساءل: لماذا حصلت أنت على ما أريده من دون تعب بينما أنا، الذي تعبت واجتهدت، لم أحصل عليه؟ وهذه الظاهرة موجودة في مجتمعنا للأسف.
شخصية بتشورين تعبّر عن كثير من شباب هذا العصر من حيث الصفات والرذائل. فهو شخص ذكي، مثقف وقادر على صنع فرق، لكنه كان مغلوبًا على أمره بسبب نيقولا. فأين سيذهب بكل ذلك الذكاء وتلك القوة؟ صرفها في التلاعب بالناس وصب غضبه عليهم.
والشيء نفسه يحدث في زمننا، وليس مع الأذكياء فقط، بل مع أغلب الشباب. فهم مغلوبون على أمرهم، ويتمنون تحسين أوضاعهم وأوضاع بلدانهم، لكنهم لا يستطيعون. والدليل أن كثيرًا من الشباب يتخرجون من الجامعات ولا يجدون عملًا بسبب سوء الاقتصاد وسوء إدارة الدولة. يتمنون الاعتراض، لكنهم لا يجرؤون، لأن النتيجة معروفة: السجن. وفي الوقت نفسه يريدون العمل، وتكوين أسرة، والحصول على المال، لكنهم لا يملكون شيئًا، فيجلسون في بيوتهم، ويمسكون هواتفهم، ويبدأ بعضهم بإرتكاب المشاكل وتطرق إلى طرق غير مشروعة في الحصول على المال ، وقد تصل الأمور في بعض الحالات إلى ما هو أسوأ، بسبب عجزه عن العمل وعجزه عن الزواج.
أما بتشورين، فكان قادرًا على الزواج لأنه كان ثريًا، لكنه لم يكن يريد ذلك فأصبح يتلاعب بالفتيات وإحدث مشاكل
لا أعلم إن كنت أوصلت الفكرة كما أريد لكن هذه الرواية أثرت بي جدًا وشخصية بتشورين خاصةً .


🍃راق لي ماكتبته
أعشق هذا النوع من الروايات التي تمزج بين التاريخ والسياسة وتجارب الحياة