من إشعال الحَطب للتدفِئة في بطرسبورغ إلى فتح الشبابيك للتهوية ، كان روديون رومانفتش راسكولينكوف ( بطل رواية الجريمة والعقاب) للكاتب فيودور دوستويفسكي ، طالب حقوق سابق شديد الفقر متضرب داخليًا ولكنه عبقري في قوقعة لامتناهية من اليأس والكآبة والحياة المملة المعتادة . قام بإرتكاب جريمة قتل بحق سيدة عجوز يُقال إنها ذات صيت سيء ألقى بالفأس على رأسها عدة ضربات ثم قام بسرق الأشياء التي كانت تقوم برهنها من الاشخاص بهدف اعطائهم المال ، ولكن حين كان راسكولينكوف يقوم بسرقتهم حدث شيئًا لم يكن في الأذهان جاءت أخت السيدة العجوز الصغيرة ورأت أختها الكبيرة مقتولة ووجها مغطى بالدماء ورأت راسكولينكوف وكانت في حالة صدمة لم تصرخ بل بقيت صامتة ، لم يستطع راسكولينكوف السيطرة على نفسه حين رآها فقام بسحب الفأس والقاه على رأسها وقتلها .
ما كان صادمًا بالنسبة الي ليس جريمة القتل نفسها وإنما الفكرة التي تولدت في رأس راسكولينكوف وأدت به بذلك إلى الهلاك النفسي والداخلي لأن فلسفته انهارت عليه .
فلسفته كانت تنص على أن البشر ينقسمون إلى قسمين : الناس العاديون وهم أناس يتبعون العادات والتقالييد وضمن القانون ولا يتجرأون على خَرقِه . بينما العظماء مثل نابليون وهم أناس نادرون بعددهم ويحق لهم خرق القانون وإرتكاب الجرائم بهدف الخير والمنفعة .
لم أرى احدًا تحدث عن هذا من قبل ولكن فلسفة راسكولينكوف تشبه إلى حد كبير فلسفة أدولف هتلر عن الناس العظماء كانت كالتالي : كان النظام النازي او ما يُعرف (بنظام هتلر) قائم على مبدأ أن العرق الآري وعلى رأسهم الألمان أرقى أعراق البشر ويحق لهم حُكم العالم ولا يتحقق هذا الهدف الا بغزو العالم عن طريق الحروب والقتل والسيطرة على العالم . وهذا ما قام ألمانيا إلى إشعال الحرب العالمية الثانية وإرتكاب إبادة جماعية بحق ملايين البشر .
كانت فلسفة راسكولينكوف وهتلر تقوم على مبدأ نيكولا ميكافيلي " الغاية تبرر الوسيلة " من أجل تحقيق الهدف يجب أن تكون الوسيلة الدم أو الحرب
ليس فقط هم من يتبعون هذه الفلسفة المرضيّة وإنما كثيرًا من حُكام العالم كان تفكيرهم كذلك ويبررون أفعالهم الشنيعة على هذه الفلسفة أبرزهم :
نابليون بونابرت : كان يقتدي به راسكولينكوف ، كان يرى نابليون نفسه رجل استثنائي غير عادي يحق له خرق القوانين لبناء امبراطورية الفرنسية وبناء مجد فرنسا
جوزيف ستالين : حكم الإتحاد السوفييتي وكان طاغي متجبر برر المجازر على إنها ضرورية لبناء الإتحاد السوفييتي ، كذلك كان تفكير موسوليني كان يرى نفسه مُصلح الأمة والقتل شيء عادي وضروري لبناء أمجاد روما .
فكرة العظمة فوق القانون غالبًا تنتهي بنهاية مأساوية فجميعهم الذين ذكرتهم إنتهى بهم المطاف إما عزل أو سقوط وانقلابات فمثلاً نابليون بعد ما سيطر على نص أوروبا انهزم في معركة واترالو ونفوه بجزيرة نائية في محيط الأطلسي وعاش هناك وحيد ومريض إلى ان مات بهدوء ، وموسوليني بعد الحرب العالمية الثانية انهارت الفاشية وحاول الهروب مع عشيقته ولكن تم القبض عليه واعدموه رميًا بالرصاص وعلقوا جثته بساحات العامة ، وستالين آخر أيامه اصبح يشك بأقرب الناس له ومات أثر جلطة دماغية وفي أثناء احتضاره لم يتجرأ أحد على الاقتراب منه خوفًا منه ومات بعد ذلك .
قبل ارتكاب الجريمة، كان راسكولينكوف يتساءل مرارًا: هل كان نابليون سيقتل السيدة العجوز لو كان مكانه؟ هنا يظهر الفرق بين القتل بدافع شخصي والقتل الذي يُبرَّر لتحقيق غاية كبرى ( لا أرى اي تبريرًا للحرب بشكل عام) . راسكولينكوف لم يقتل ليغيّر مجرى التاريخ، بل بدافع المنفعة الشخصية أراد مالها لتحسين وضعه لكن الريّاح لم تجري على سُفن غاياته ، خطته انهارت وفلسفته ارتدت عليه فغرق في صراع داخلي طويل نابليون على الأرجح لم يكن ليفعل ذلك لأن غاياته لا تتقاطع مع مثل هذه الجريمة . ومع أن القتل "المبرَّر" لغاية كبرى قد يتخذ شكل حرب أو غزو أو ردّ على تهديد فإن النتيجة في النهاية وجهان لعملة واحدة : الدماء والدمار . لا ملك ولا قائد يدخل الحرب برغبة حقيقية، فحتى الانتصار يجرّ معه خسائر فادحة تجعل النصر نفسه موضع شك .
🖋️ رهف


والله اني كتبت في جورنال نفس شي تقريباً وكنت ناويه اكتب عن علاقه راسكولينكوف وهتلر وفكره فلسفيه ✨مقال جد رائع
الفكرة اسطورية و مُبَتَكَرة، استمري