ضللنا الطريق فما عسانا فاعلين
الشيطان يجرنا هنا وهناك
ويديرنا إلى كل الجهات.
بهذه الأبيات من بوشكين افتتح دوستويفسكي ملحمته اللاأخلاقية الشياطين. أما لماذا أطلق عليها هذا الاسم فستعرفون في النهاية.
استلهم الكاتب جذور الفكرة السياسية في الرواية من أحداث حقيقية حدثت في ستينيات القرن التاسع عشر في روسيا. أما الرواية فهي تتكلم عن مجموعة سرية من الشباب الثوريين المتعصبين والمتطرفين وعلى رأس الهرم يقودهم شاب ماكر يدعى بيوتر بطرس فرخوفنسكي : عندما تراه لأول مرة سترسم صورة لطيفة عنه فهو شاب ذكي مضحك لطيف المظهر حسن الهدام لكنه في الحقيقة شخص عدمي ماكر وخبيث لا يؤمن بشيء نشيده الوطني هو السلطة فقط التي لا تتحقق إلا باستخدام الفوضى وزعزعة البلد كوسيلة لتفكيك الناس وبث الرعب في نفوسهم لتسهيل السيطرة عليهم.
الشخصية الثانية هو شاب يدعى كريلوف : في الحقيقة أكثر ما صدمني في هذه الرواية بعد اعتراف ستافروجين هي نظرية كريلوف. ففي حديثه مع الراوي كان الحديث يدور عن الكتاب الذي يؤلفه كريلوف وعن الأسباب التي تمنع الأشخاص من الإقبال على إنهاء حياتهم. توصل لأبحاث تبرهن أن الإنسان يخشى الانتحار بسبب خوفه من الألم الذي سيشعر به وخوفه من العالم الآخر. لكن نظريته كانت تنص على أن الإنسان لا يمكن أن يمتلك حريته المطلقة إلا عندما تبقى حياته مثل موته. عندها يتحول الإنسان إلى إله وقاني الله شر كتابته.
كريلوف كان شخصًا عدميًا سوداويًا كان يكره بل يبغض أن يوجد شيء يقيده وأقوى منه بل يخشاه وهو الموت. أراد أن يتمرد عليه لينال حريته كان يدعي أن الانتحار أعلى درجات الحرية. في الأخير كان فريسة نظريته وانتحر بإجبار قسري من بيوتر.
الشخصية الثالثة هو شيجالوف : لا أريد منه إلا فلسفته المرعبة المجنونة. كان يريد تقسيم العالم إلى قسمين : عشرة بالمئة ينالون الحرية المطلقة وتسعون بالمئة يتعرضون للاستعباد المطلق أي يصبحون عبيدًا.
فلسفته هذه تشبه إلى حد كبير فلسفة راسكولينوف بطل رواية الجريمة والعقاب عن تقسيم العالم إلى قسمين. قسم العظماء الذين يحق لهم كسر القوانين والقسم الثاني أناس عاديون ضمن القانون. لكن فلسفة راسكولينوف كانت فكرة فردية والجريمة فردية أي أن المتضرر هو من اقترف الجريمة. بينما فلسفة شيجالوف فهي فكرة جماعية سياسية، الجريمة تصبح إبادة وبالتالي دمار مجتمع كامل.
ليامشين ثوري أيضًا كانت فلسفته تنص على إبادة تسعين بالمئة من البشرية مع إبقاء فقط عشرة بالمئة من العلماء والمثقفين. لم أستطع أن أفهم لماذا يريد إبقاء المثقفين فقط وإبادة الآخرين، إذ تم إبادة نصف البشر فلن يبقى أحد ففئة العشرة بالمئة سيتنافس فيها كل من المثقف والعالم على السلطة بل من الممكن أن يرتكبوا جرائم بحق أنفسهم لأن العلم لا يمنع الطغيان والثقافة لا تمنح الحصانة الأخلاقية.
جميعهم بدأو ينهارو واحد تلو الآخر مثل أوراق الخريف عندما تتساقط . كريلوف انتحر بعد شجار مع بيوتر وشاتوف تم قتله بواسطة بيوتر ايضًا وليامشين بعد هذه الحادثة أنهار نفسيًا وحاول الإنتحار لكنه فشل وتم القبض عليه وفضح كل شيء للشرطة ايضًا كل مم ليبوتين شيجالوف والآخرون تم القبض عليهم الا شخص واحد كان كتلة سرطان في حياتهم هو بيوتر فرخوفنسكي بعد قتل شاتوف وإنتحار كريلوف حاول الهرب عند أول قطار ولم يتم القبض عليه كان السبب في هلاك الجميع بينما هو عاش سعيدًا بعد الخراب والفوضى التي احدثها في البلده .
الشخصية الرابعة هو نيقولا ستافروجين : شاب آية من آيات الجمال أرستقراطي ذو كاريزما طاغية يمثل الفراغ الداخلي والأخلاقي والبرود من الخارج مثال على الانحطاط الأخلاقي بكل أشكاله. شخص لا مبالٍ يسمح للشر بالدخول به والمرور من أمامه دون منعه لم يكن مثل الباقين أي غير ثوري لكنه شخص لا مبالٍ يريد فقط المشاهدة بصمت.
الشيء الذي حمسني أكثر من أي شيء آخر لقراءة الرواية هو أن دوستويفسكي تنبأ بالثورة البلشفية كفكرة وليس كأحداث تاريخية قبل حدوثها بنصف قرن تعريف مختصر عنها هي ثورة قادها البلاشفة عام 1917 بأمر من فلاديمير لينين بناءً على أفكار كارل ماركس الاشتراكية نتج عنها إسقاط الحكم الملكي لعائلة رومانوف الروسية وإعدامهم رميًا بالرصاص. وبعدها تم تأسيس الاتحاد السوفيتي بقيادة فلاديمير لينين لتصبح روسيا أول دولة شيوعية في التاريخ.
دوستويفسكي تنبأ بالنتيجة الأخلاقية العدمية للثورات وأن أي فكرة ثورية بلا ضمير تعني الخراب والديكتاتورية. ولم يتنبأ بالمعنى الحرفي عن الاتحاد السوفيتي بمسماه ولاحقًا تم منع الرواية في الاتحاد السوفيتي لأن دوستويفسكي فضح أفكارهم الثورية.
من أفضل الشخصيات كتابيًا بل وقعت في حبه قبل أن أصل إلى اعترافه، بعد ذلك بدأت أنظر إليه بقرف وبغض. في اعتراف ستافروجين للكاهن تيخون يقول إنه تعدى جنسيًا على الطفلة ابنة صاحبة البيت التي كان يسكن عندها حين ذاك لم يشعر بالندم بل قال إنه لا يعلم لماذا تعدى عليها ليس بسبب شهوة أو شيء آخر فقط أراد ذلك
ستافروجين شخص سوداوي نفسه أمّارة بالسوء يجري وراء أول رائحة دناءة يشمها ولا يستطيع المقاومة. أصبح الشر عادة يومية لا يمكن الابتعاد عنها، كان يقول لتيخون إنه كان يفعل الفاحشة لينتقم من نفسه ليصل لنشوة الندم فينصدم من أنه لا يشعر بالندم ولا بالذنب، فيقرر الانتقام من نفسه بفعل فاحشة أقبح من التي قبلها وهكذا كان يريد كما قال أن ينال مغفرة نفسه هذه غايته الوحيدة فمتى نال مغفرة نفسه انتهى كل شيء.
كان ستافروجين يخشى بعد أن يتم نشر اعترافه أمام الناس من الفضيحة وردود أفعالهم تجاه فعلته الشنيعة. لم يكن ليعترف لتيخون إلا لأنه كان قبل النشر يحضر لجريمة أقبح وأشنع من الجريمة التي اقترفها كما قال له تيخون. أرعبه تيخون حين قرأ أفكاره فغادر الغرفة غاضبًا، وبعد ذلك شنق نفسه وانتحر.
ليس البكاء لي عادة عند قراءة الكتب أو حتى عند مشاهدة الافلام ولكن رواية الشياطين دمرتني نفسيًا وصدمت خاصة من اعترافه حتى تم مسح الكثير من اعترافه من قبل دور النشر بسبب بشاعته بكيت ايضًا لسبب آخر كيف أمكن لدوستويفسكي كتابة رواية سوداوية مثل الشياطين ؟ وقتها علمت إنني امام عبقري ختم المجال الأدبي ولن يستطيع أن يأتي أحد قادر على الكتابة مثل فيودور دوستويفسكي.


إبداع 👏
رهييييبة !!!!!♥️